علياء المزروعي،
مديرة برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار
تحتفي دولة الإمارات العربية المتحدة هذا العام باعتباره عام المجتمع، حيث تكرس الدولة جهودها لإرساء روح التعاون، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وترسيخ الروابط الإنسانية، وهي القيم الأصيلة التي يحرص المجتمع الإماراتي على نقلها عبر الأجيال، ونحن في برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار نعتبر أنفسنا جزءاً لا يتجزأ من هذه المنظومة القيمية، إذ يشكل العمل الجماعي، والنهج التعاوني الركيزتين الأساسيتين لمبادراتنا البحثية الهادفة إلى بناء مستقبل مستدام للجميع، فالبحث العلمي الذي يتسم بروح الفريق الواحد هو السمة المميزة لمنهجية البحث التي يعتمدها البرنامج، وسر النجاحات والإنجازات المتواصلة التي حققها خلال فترة وجيزة. فمن خلال التواصل الفعّال والناجح بين أعضاء المجتمع البحثي، نساهم بشكل مباشر في تبادل المعرفة العلمية، ومعالجة التحديات المشتركة بصورة جماعية.
ومنذ انطلاق برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار عام 2015 تحت رعاية سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، لم يعد البرنامج مجرد جهة مانحة للتمويل البحثي، بل منصة عالمية تحتضن مجتمعًا علمياً متنوعاً ومتعدد الثقافات والتخصصات، تجمعهم الثقة المتبادلة، والتواصل الفعال، والرؤية المشتركة، مما مكنه عبر دوراته الخمس السابقة، من بناء شبكة بحثية واسعة من الشركاء تضم أكثر من 800 مؤسسة علمية في أكثر من 70 دولة، ويعملون معًا من أجل تسريع تطوير حلول مبتكرة لمواجهة ندرة المياه التي تشكل أحد أكبر التحديات التي تواجه البشرية.
وما يميز هذا المجتمع العلمي العالمي هو إيمانه الراسخ بأن البحث العلمي القائم على التعاون وتبادل المعرفة هو الوسيلة المثلى التي يمكن من خلالها الوصول إلى حلول تخدم البشرية جمعاء، فهذا التعاون الذي لا تضعفه التحديات هو ما يترجم الأفكار والنظريات العلمية إلى حلول واقعية قابلة للتطبيق.
ومن هذا المنطلق، دعم البرنامج حتى الآن 14 مشروعًا بحثيًا بالتعاون مع جامعات مرموقة سواء في دولة الإمارات أو في دول أخرى حول العالم كألمانيا، واليابان، وفنلندا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وغيرها، كما ينظم البرنامج فعاليات ومنتديات علمية متخصصة كالملتقى الدولي للاستمطار الذي يجمع تحت مظلته نخبة من العلماء والباحثين والمختصين من مختلف أنحاء العالم لمناقشة وتعزيز سبل التعاون نحو ضمان استدامة الموارد المائية العالمية.
نؤمن في برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار بأن الاستثمار في الشباب وتوفير البيئة الداعمة لهم للانخراط في البحث والتجربة هو حجر الأساس لبناء مجتمع متقدم ومستدام، وعليه، نؤكد دوماً على أهمية إشراك الكفاءات الوطنية والدولية الشابة كمعيار أساسي لتقييم المقترحات المشاريع المقدمة، كما وفرنا حتى الآن فرصًا تدريبية وبحثية لأكثر من 60 طالبًا وباحثًا مبتدئا، من خلال العديد من البرامج التدريبية وتبادل الخبرات التي يتم تنفيذها بالتعاون مع المؤسسات البحثية والأكاديمية المرموقة حول العالم كمعهد سكريبس لعلوم المحيطات بجامعة كاليفورنيا، وجامعة برن السويسرية، إضافة إلى الشراكة مع الجامعات والمراكز البحثية المحلية من بينها جامعة خليفة ومعهد الابتكار التكنولوجي. ونحرص دائماً على استضافة ندوات وجلسات حوارية تفاعلية متخصصة لاستعراض ومناقشة الأعمال البحثية للطلبة والطالبات سواء خلال الملتقى الدولي للاستمطار أو ضمن سلسلة "منصة الاستمطار"، فضلاً عن إشراكهم في الحملات البحثية الميدانية التي يتم فيها توظيف تقنيات الطائرات بدون طيار، والذكاء الاصطناعي، ونماذج التنبؤ المناخي وغيرها من التقنيات والأساليب المتقدمة في أبحاث الاستمطار، مما يتيح لهم فرصة حقيقية للمساهمة والتعلم وتوسيع آفاقهم المعرفية بالمشاركة في مشاريع بحثية متعددة التخصصات.
واليوم، لم يعد الاستمطار مجرد مجال علمي متخصص أو وسيلة تقنية لتعزيز هطول الأمطار، بل أصبح ركيزة أساسية ضمن منظومة متكاملة لإدارة الموارد المائية، لاسيّما في ظل الضغط المتزايد على إمدادات المياه العذبة عالميًا نتيجة الثورة في التقنيات الحديثة التي تستهلك كميات هائلة من المياه، كمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. ويشير تقرير حديث صادر عن "بلومبرج" إلى أن نحو ثلثي مراكز البيانات التي أُنشئت منذ عام 2022 تقع في مناطق تُصنّف بأنها تعاني من ندرة المياه، وهذه المنشآت العملاقة تعتمد بشكل كبير على المياه لتبريد الخوادم وتوليد الطاقة، مما يعكس أهمية الاستمطار كوسيلة استراتيجية لسد الفجوة في الطلب العالمي المتنامي على المياه.
وعلى ضوء هذه التحديات، يمثل برنامج الإمارات لبحوث الاستمطار نموذجًا عالمياً ناجحاً لتوظيف مخرجات الأبحاث العلمية في خدمة المجتمع وتلبية مختلف احتياجاته، مما يشكل خارطة طريق عملية لتعزيز تكامل منظومة الماء والغذاء والطاقة من جهة، ومواكبة التحوّلات المتسارعة في القطاعات المختلفة كالتوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تضع مزيداً من الضغط على الموارد المائية الشحيحة من جهة أخرى. وفي الوقت الذي يواصل برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار المسيرة في دورته السادسة، واحتفاء دولة الإمارات العربية المتحدة "بـعام المجتمع"، فإننا نضع نصب أعيننا بأن تسهم مبادراتنا البحثية الرائدة في إشراك أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع، وأن تعود بالنفع والفائدة لهم من منطلق إيماننا الراسخ بأن العمل الجماعي والتكاملي هو السبيل الأمثل لمعالجة التحديات المرتبطة بأزمة شح المياه، وتعزيز صمود المجتمعات أمام التغيرات المناخية المتسارعة.